السؤال:
هل هناك قاعدة فقهية تقول إنه لا يجوز الإنكار في المسائل المختلف فيها؟ وإذا كانت، فما هي تلك المسائل المختلف فيها؟.

الفتوى:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد ذكر السيوطي في الأشباه والنظائر قاعدة: لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المجمع عليه ـ ثم قال: ويستثنى صور ينكر فيها المختلف فيه:

إحداها: أن يكون ذلك المذهب بعيد المأخذ، بحيث ينقض، ومن ثم وجب الحد على المرتهن بوطئه المرهونة، ولم ينظر لخلاف عطاء.

الثانية: أن يترافع فيه لحاكم فيحكم بعقيدته، ولهذا يحد الحنفي بشرب النبيذ، إذ لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف معتقده.

الثالثة: أن يكون للمنكر فيه حق، كالزوج يمنع زوجته من شرب النبيذ، إذا كانت تعتقد إباحته.. اهـ.

وبهذا يتضح أن هذه القاعدة إنما تكون في مسائل الخلاف السائغ الذي لا يخالَف فيه نصٌ أو قياسٌ جليٌّ.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: قولهم: مسائل الخلاف لا إنكار فيها ـ ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم، أو العمل، أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة، أو إجماعا قديما وجب إنكاره وفاقا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء، وأما العمل: فإذا كان على خلاف سنة، أو إجماع وجب إنكاره أيضا بحسب درجات الإنكار.. وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهدا، أو مقلدا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس، والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا، مثل حديث صحيح لا معارض من جنسه فيسوغ له ـ إذا عدم ذلك فيها ـ الاجتهاد لتعارض الأدلة المتقاربة، أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين كسائر المسائل التي اختلف فيها السلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها، مثل كون الحامل المتوفى عنها تعتد بوضع الحمل، وأن الجماع المجرد عن إنزال يوجب الغسل، وأن ربا الفضل والمتعة حرام، وأن النبيذ حرام، وأن السنة في الركوع الأخذ بالركب.. اهـ.

وذكر ابن القيم مثل ذلك في إعلام الموقعين عن رب العالمين.

وقال القرافي في الفروق: كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى، فإن هذا الحكم لو حكم به حاكم لنقضناه، وما لا نقره شرعا بعد تقرره بحكم الحاكم أولى أن لا نقره شرعا إذا لم يتأكد، وهذا لم يتأكد، فلا نقره شرعا والفتيا بغير شرع حرام، فالفتيا بهذا الحكم حرام، وإن كان الإمام المجتهد غير عاص به بل مثابا عليه، لأنه بذل جهده على حسب ما أمر به. اهـ.
وذكر الدكتور محمد مصطفى الزحيلي في القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة: هذه القاعدة باللفظ السابق وبلفظ: لا ينكر إلا ما أجمع على منعه، ثم قال: المختلف فيه هو ما يقع بين المذاهب لاختلاف الأدلة، فلا يجب إنكار المختلف فيه، لأنه يقوم على دليل، وإنما يجب إنكار فعل يخالف المجمع عليه، لأنه لا دليل عليه، وإن الإنكار المنفي في القاعدة مراد به: الإنكار الواجب فقط، وهو لا يكون إلا لما أجمع على تحريمه، وأما ما اختلف في تحريمه فلا يجب إنكاره على الفاعل لاحتمال أنه حينئذ قلد من يرى حله، أو جهل تحريمه، كذا في التحفة، وهذه قاعدة عظيمة متفرعة عن أصل عظيم، لأن نسبة المختلف فيه إلى المحرم ليست بأولى من نسبته إلى المحلل، وهذا باعتبار استصحاب العدم الأصلي، وباعتبار الإنكار الواجب. اهـ.

وقد سبق لنا بيان ما يسوغ الاختلاف فيه وما لا يسوغ، فراجع الفتاوى التالية أرقامها: 56408، 170383، 40173.

والله أعلم.







شـــاهـــد ايـضـــا:

بقاء في الموظف في البنك الربوي لغاية فتح فرع إسلامي

حلف على القرآن على أمر وحنث فيه

كيد الشيطان للتلبيس على الإنسان حال الذكر والعبادة

المطالبة بحق الحضانة بعد إسقاطه

الاقتراض من بنك ناصر الاجتماعي

مذاهب العلماء في صلاة النافلة ماشيا في الحضر والسفر

ما يستحقه الموظف من قيمة تذكرة السفر عند اختلاف الأسعار

شرح حديث: أكلت مغافير

لا يتصور انتفاء المحبة ممن نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاهما

اقترض من شخص بالربا وتاب ورد له الفائدة فوهبها له

التعامل مع شركات التأمين التكافلي

ينتقض الوضوء بحدث آخر غير السلس

حكم عمل طبيب في شركة (ميد غلف) للتأمين التعاوني

شرح حديث: أن ابْنَ عَمْرٍو يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ

صفة ملك الموت عند قبض الأرواح، وشأن الأرواح في دار البرزخ

الواجب عند الخوف على النفس في حال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

حكم بيع ألعاب الجوال

صفة وضع الأصابع في السجود، وحكم السجود بوجود حائل بين الجبهة والأرض

لا حرج في فعلك ما دام لا يخالف اللوائح الطبية للشركة

خروج الفتاة بدون إذن والدها لتلقي العلم

حكم نكاح بنت الأخت من الرضاع

حكم مبيت الزوجة في بيت الزوجية دون علم الزوج

المفاضلة بين كلمة التوحيد والاستغفار والصلاة على النبي

شروط مشروعية ضرب التأديب، وكفارة من خالف الشروط

حكم إشراك المهندس في شركة زميلا له في عمله

القول الراجح في حكم الاستمناء

طهارة وصلاة كثيرة الشك بخروج المذي

حكم قول: دعوت عليك لتعرف أن الله حق

التأويل الصحيح لمقولة: (حيثما تكون المصلحة، فثم شرع الله)

أخذ عائد ضريبي بالتحايل على شروط الاستحقاق من الغش